سهيلة عبد الباعث الترجمان
167
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
رأى نفسه . ومما يراه أبو العلا عفيفي أن ابن عربي هنا يفهم الحديث فهما خاصا يتمشى مع مذهبه في وحدة الوجود ، فليست معرفة الإنسان بنفسه وسيلة لمعرفته بربه من حيث أنه يدرك قدرة اللّه وعظمته عن طريق إدراكه لنفسه ، وما أودع اللّه فيها من أسرار الخلق وعجائبه ، بل إنه يعرف ربه بمعرفته نفسه ويجهل من ربه بمقدار ما يجهل من نفسه ، لأن نفسه هي المظهر الخارجي لربه ، أو هي المرآة التي يتجلى فيها ربه فيراه ويدركه ، والمراد بالرب هنا الحق المتجلي بالأسماء الإلهية في صور أعيان الممكنات لا الحق من حيث هو في ذاته بعيدا عن كل تعيّن ، وكل نسبة أو إضافة إلى العالم ، فإنه من هذه الناحية غني عن العالمين ، منزه عن كل معرفة وإدراك ، أما الحق الذي يعرف ويدرك فهو الحق الظاهر ، وليس الحق الظاهر سوى العالم ، ونفس الإنسان جزء من العالم بل أكمل جزء فيه ، فمن عرف نفسه عرف ربه على هذا المذهب معناه عرف الحق الظاهر في نفسه « 1 » . . . ومما يراه ابن عربي في هذا الصدد أن الشرع لدى العارفين قد أغلق في هذا القول باب العلم باللّه بأنه لا يصل أحد إلى معرفة نفسه ، فإن النفس لا تعقل مجردة عن علاقتها بهيكل تدبّره ، منورا « * » كان أو مظلما « * * » ، فلا تعقل . . . ولذلك فإن " اللّه " لا يعقل إلّا إلها ، غير إله لا يعقل . . . وإذا لم يعقل مجردا « * * * » عن العالم فلم تعقل ذاته ، ولا شهدت من حيث هي ، فأشبه العلم به العلم بالنفس ، والجامع عدم التجريد ، وتخلص حقيقة ذاته من العلاقة التي بين اللّه وبين العالم . . . " « 2 » وهذا الأمر يوقع العبد في الحيرة ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 3 » فيرى في هذا القول توجها نحو ازدياد المعرفة ، " فكلما زاد علما زاد أيضا كشفا واتساعا
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على فصوص الحكم ، ص . ص 324 - 325 . ( * ) النور : كل وارد إلهي يطرد الكون عن القلب . ( * * ) الظلمة : قد يطلق على العلم بالذات ، فإنها لا يكشف معها غيرها . ( * * * ) التجريد : إماطة السوى والكون عن القلب والسر . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 423 . ( 3 ) سورة طه ، الآية : 114 .